صحيح مسلم — حديث #١٤٥٧٩

حديث #١٤٥٧٩
روى لي أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سِش، وهو مولى مُعتَق من بني أمية: وأخبرني ابن وهب: وأخبرني يونس، ناقلاً عن ابن شهاب. قال ابن شهاب: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، ولكنه أراد أن يقاتل الروم والعرب النصارى في الشام. قال شهاب: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أنه لما أصيب كعب، أحد أبناء عبد الله بن كعب، بالعمى، أصبح خليفةً له. سمعت كعب بن مالك يروي تجربته عندما تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أغب عن أي غزوة شارك فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا غزوة تبوك! كما غبت عن غزوة بدر، لكنه لم يوبخ أحدًا غائبًا عنها. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد انطلقوا لاستهداف قافلة قريش، وفي النهاية ساقهم الله وأعداءهم إلى مكان لم يتوقعوه. في الواقع، كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين عاهدناه على الإسلام. مع أن بدر أشهر بين الناس من العقبة، إلا أنني لا أتمنى لو وقعت غزوة بدر بدلًا من العقبة. قصتي منذ أن فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك... قال كعب: لم أكن أقوى ولا أغنى مما كنت عليه حين فارقته في تلك المعركة. والله، ما كنت قد جمعت قطّتين من الإبل معًا. وأخيرًا، في تلك المعركة، جمعت جملين معًا. خاض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المعركة في حرّ شديد. وسار في رحلة طويلة في الصحراء. وواجه جيشًا كبيرًا من الأعداء، وشرح للمسلمين بوضوح ما عليهم فعله حتى يستعدوا لمعركتهم. وأخبرهم إلى أين ينوي أن يقودهم. وكان عدد المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرًا جدًا حتى أن سجل الحرس لم يسعهم. (يشير كعب بهذا القول إلى سجل الجيش). وتابع روايته: كان هناك قليل ممن أرادوا الفرار (من الجيش) ولم يظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يعلم بذلك إلا إذا جاء وحي من الله سبحانه وتعالى. وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الحملة حين كانت الثمار والظلال في في أوج ازدهاري. كنتُ أكثر المشاركين حماسًا في هذه الحملة. ثم استعد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه. بدأتُ أسهر الليل لأستعد معهم. لكنني عدتُ دون أن أفعل شيئًا؛ وقلتُ في نفسي: أنا قادر على ذلك متى شئت. واستمر هذا الحال معي. استمر الناس في العمل. وسهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين معه الليل لينطلقوا. لم أفعل شيئًا من ناحية الاستعداد. ثم سهرتُ الليل وعدتُ مرة أخرى دون أن أفعل شيئًا. واستمر هذا الحال. حتى المسلمون أسرعوا إلى وجهتهم، وتقدم المحاربون. شعرتُ برغبة ملحة في الانطلاق واللحاق بهم. ليتني فعلت. لكن لم يُكتب لي ذلك. بعد أن خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج إلى الناس، بدأتُ أشعر بالحزن لأني لم أتبعه. فقط من اتُهموا بالنفاق أو الضعفاء الذين عذرهم الله يمكن إعفاؤهم من ذلك. رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكرني (عليه السلام) حتى وصل إلى تبوك. وبينما كان جالسًا بين الناس في تبوك، سأل: "ماذا فعل كعب بن مالك؟" فقال رجل من بني سليمة: "يا رسول الله، إن ثوبه ونظرته إلى ياقته منعته". فقال له معاذ بن جبل: "يا لك من قول فظيع!" فقال: "والله يا رسول الله، ما نعلم عنه إلا خيرًا". فسكت رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وبينما هو على هذه الحال، رأى رجلاً يرتدي ثيابًا بيضاء اختفى السراب معه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا بد أنك أبو حيسمة!" فرأوا أنه أبو حيسرات الأنصاري. هذا هو الرجل الذي إذا عيَّره المنافقون، تصدق بكيل من التمر. ب. وتابع مالك قصته: "لما سمعت أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عائد من يا تبوك، غمرني الحزن. بدأت تراودني أفكار الكذب. كنت أفكر: "كيف لي أن أهرب من أقاربه غدًا؟" استشرت كل ذي علم في عائلتي في هذا الأمر. عندما أُخبرت باقتراب مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلاشت مني الأفكار الخاطئة. أدركت أنني لن أستطيع التخلص منها بأي حال من الأحوال. فقررت أن أقول له الحقيقة. كان مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصباح. عندما يعود من سفره، كان يبدأ عمله في المسجد. هناك يصلي ركعتين. ثم يجلس للقاء الناس. عندما يفعل ذلك، يأتي إليه من لم يشاركوا في المعركة ويعتذرون إليه ويحلفون له. وكان عددهم يزيد عن ثمانين. قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم اعترافاتهم العلنية. بايعهم واستغفر لهم. كما أوكل خفاياهم إلى الله. أخيرًا، جئت إلى هنا. عندما سلمت... ابتسم له ابتسامة غاضبة، ثم قال: جئتُ ماشيًا وجلستُ في حضرته. فقال لي: هل تخلفتَ عن المعركة؟ وسألني: ألم تشترِ دابتك؟ فأجبته: يا رسول الله، والله، لو كنتُ جالسًا مع أحدٍ من أهل الدنيا غيرك، لأظننتُ أنني نجوتُ من غضب الله بعذر. لقد أُعطيتُ الفصاحة، ولكن والله، أعلم أنني لو كذبتُ عليك اليوم كذبةً تُرضيك، لَسأواجه غضب الله قريبًا. ولو قلتُ لك الحق، لَأغضبتَ مني. إني أطلب أجر الله على كلامي. والله، ليس لي عذر. والله، ما كنتُ يومًا أقوى ولا أغنى مما كنتُ عليه حين تخلفتُ عنك. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: صدقتَ، فقم حتى يقضي الله بك! فقمتُ. فجاءت مجموعة من قام رجال من بني سليمة وتبعوني، فقالوا لي: والله ما نعلم أنك ارتكبت ذنبًا قبل هذا. قالوا: بل لم تستطع أن تقدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفس العذر الذي قدمه الذين لم يشاركوا في المعركة. كان يكفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لك. فأجبت: والله لقد وبخوني حتى كدت أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكذب عليه. ثم سألتهم: هل أصاب أحدٌ مثلي؟ قالوا: نعم! أصاب رجلان مثلك. قالا ما قلت، وقيل لهما ما قيل لك. سألت: من هما؟ قالوا: مَرّة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي. وأخبراني عن رجلين صالحين. رجالٌ شاركوا في غزوة بدر وكانوا جديرين بالاتباع. بعد أن أخبروني بذلك، انصرفت. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التحدث إلينا نحن الثلاثة الذين انفصلنا عنه. ولهذا السبب، تجنبنا الناس. تغيرت نظرتهم إلينا. حتى المكان الذي عرفته تغير في عيني. لم يعد هو المكان الذي عرفته. مكثنا على هذه الحال خمسين ليلة. جلس رفيقيّ في بيتيهما، مطأطئي الرؤوس يبكان. أما أنا: فكنت أصغر الناس وأكثرهم ثباتًا. كنت أخرج من بيتي، وأصلي الصلاة، وأتجول في الأسواق. لكن لم يكن أحد يكلمني. بعد الصلاة، وأنا جالس في مكاني، كنت أقترب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم عليه؛ وأتساءل في نفسي: "هل حركت شفتي لأرد عليه السلام أم لا؟" ثم أصلي قربه، أنظر إليه سرًا. إذا التفت إلى صلاتي، نظر إليّ؛ وإذا التفت إليه، أعرض عني مني. ولما استمر هذا الاضطهاد من المسلمين مدة طويلة، تسلقتُ تدريجيًا سور حديقة أبي قتادة. أبو قتادة هو عمي وأحب الناس إليّ. سلمتُ عليه، والله لم يردّ عليّ السلام. فقلتُ له: "يا أبا قتادة! بالله عليك، أخبرني، هل تعلم أنني أحب الله ورسوله؟" فصمت أبو قتادة. فسألته ثانيةً، بالله عليك، أن يخبرني، فصمت ثانيةً. فسألته ثانيةً (هذه المرة): "الله ورسوله يعلمان!" عندئذٍ امتلأت عيناي بالدموع، وعدتُ أدراجي. وتسلقتُ السور. وبعد ذلك، بينما كنتُ أسير في سوق المدينة، التقيتُ بفلاح من فلاحي دمشق الفرس، كان قد أتى إلى المدينة ليبيع الطعام. وكان يسأل: "من يدلني على كعب بن مالك؟" فبدأ الناس يشيرون إليّ ويدلونه عليّ. وأخيرًا، جاء إليّ وأعطاني رسالة من ملك غسان. كنتُ كاتبًا. قرأت الرسالة، فرأيت فيها ما يلي: "ثم (عليه أن يعلم) بلغنا أن زوجتك قد ظلمتك. لم يخلقك الله في أرض ذل، ولا في مكان تُفقد فيه حقوقك. انضم إلينا فورًا لنعينك." فلما قرأت هذا قلت: "هذا أيضًا نوع من المصائب"، فذهبت إلى الفرن وأحرقت الرسالة هناك. وأخيرًا، بعد انقضاء أربعين ليلة من الخمسين ليلة، وانقطاع الوحي، جاءني رسول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فجأة، فقال: "يأمرك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالابتعاد عن زوجتك." فقلت: "أطلقها، أم ماذا أفعل؟" فقال: "لا! ابتعد عنها ولا تقترب منها أبدًا!" وكان قد أرسل رسائل مماثلة إلى اثنين من أصحابي. فقلت لزوجتي: "ارجعي إلى أهلك واسكني معهم حتى يأمر الله في هذا الأمر!" ثم... أتت زوجة أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ طاعن في السن، ليس له خادم، أتمانع أن أخدمه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ولكن لا ينبغي له أن يقترب منكِ أبدًا! فقالت المرأة: والله، ما لديه وقت لفعل شيء! والله، ما زال يبكي منذ أن أصابه هذا الأمر. فقال لي أحد أهلي: ما أترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن في زوجتك؟ انظر، لقد أذن لزوجة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: لا أستطيع أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فأنا شاب. فلما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، قلت: ماذا سيقول؟ من يدري؟ وبقيت على هذه الحال عشر ليالٍ. وهكذا، انقضت خمسون ليلة منذ أن مُنعنا من الكلام. ثم في صباح الليلة الخمسين، صليت صلاة الصبح في أحد بيوتنا. وبينما كنت جالسًا في الحال الذي قدره الله تعالى لنا، انتابني حزن شديد. شعرتُ بضيق المكان رغم اتساعه. سمعتُ صوتًا ينادي من أعلى جبل سلع. كان يصيح بصوت عالٍ: "كعب بن مالك، بشرى!" فسجدتُ على الفور. وعرفتُ أن الشدوماني قد أتى. ثم بعد أن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، أخبر الناس أن الله قد قبل توبتنا. عندئذٍ، ذهب الناس ليبشرونا. ذهب اثنان من أصحابي ليبشرونا. حثّ رجل فرسه ليأتي إليّ. جاء رجل من قبيلة أسلم يركض نحوي. وصعد الجبل. كان صوته أسرع من صوت الفرس. عندما جاءني من سمعتُ صوته بالبشرى، خلعتُ على الفور اثنين من أعطيته ثيابي ابتهاجًا ببشارته. والله، لم يكن لي شيء آخر في ذلك اليوم. فاستعرت ثوبين وارتديتهما. ثم انطلقت في الطريق، راغبًا في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج الناس جماعاتٍ لاستقبالي، يهنئونني على توبتي قائلين: "بارك الله في قبول توبتك!". وأخيرًا، دخلت المسجد، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا فيه، محاطًا بالناس. ثم قام طلحة بن عبيد الله، فأسرع إليّ، فصافحني وهنأني. والله، لم يقم من المهاجرين سواه، ولم ينسَ كعب ما فعله طلحة. قال: إذا سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان وجهه يشرق فرحًا، ويقول: "بشارة لك، هذا أفضل يوم مضى منذ أن ولدتك!". فقلت: "هذا...". قال: «هذا منك أم من الله يا رسول الله؟» قال: «بل هو من الله!» وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرح أشرق وجهه كأنه قطعة من القمر، وكنا نعلم ذلك. فلما جلست قلت: يا رسول الله، من توبتي أن أتخلى عن بعض مالي صدقةً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال: «احتفظ ببعضه، فهذا خير لك.» فقلت: «إني أحتفظ بنصيبي من خيبر»، وأضفت: يا رسول الله، إن الله قد أنقذني بالحق. ومن نذوري ألا أقول الحق ما حييت. ومنذ أن أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، لا أعرف مسلماً أنعم الله عليه بنعمة أعظم من نعمة قول الحق. والله، منذ أن أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك (عليه السلام)، لم أكذب قط عن قصد. أدعو الله أن يحفظني ما تبقى من حياتي. قال كعب: عندئذٍ أنزل الله تعالى الآيتين ١١٧-١١٨ من سورة التوبة: "إن الله قد قبل توبة الرسول والمهاجرين والأنصار الذين تبعوه في شدائد قوم كادوا يضلون إن الله قد قبل توبتهم وكان بهم لطف ورحمة. وقبل توبة الثلاثة الذين تخلفوا وشعروا بضيق أنفسهم على الرغم من اتساع دنياهم." ووصل الأمر إلى الآية: "والذين آمنوا فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين!" ثم: "والله ما أنعم عليّ بعد أن هداني إلى الإسلام بنعمة أعظم من الصدق الذي قلته لرسول الله صلى الله عليه وسلم." هلكوا كما هلك الكاذبون لكذبهم عليه! بل إن الله لما أنزل الوحي في الكاذبين، قال أسوأ ما يمكن أن يُقال لأحد. يقول الله تعالى: «إذا رجعتم إليهم أقسموا بالله ألا تقولوا لهم شيئًا، فأعرضوا عنهم إنهم نجسون ومأواهم جهنم بما كسبوا، يقسمون لك لعلكم ترضون عنهم، فإن رضيتم عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين». (سورة التوبة، الآيتان 95-96). قال: «كنا ثلاثة قوم تخلفوا عن أمر الذين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل أيمانهم وبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله، ولذلك قال الله تعالى: «وتوبة الثلاثة الذين تُركوا...» إن تركنا كما ذكر الله ليس يعني تركنا من المعركة، وإنما إن النبي صلى الله عليه وسلم أخّرنا وترك شؤوننا حتى بعد الذين أقسموا عليه واعتذروا، فقبل أعذارهم.
المصدر
صحيح مسلم # ٥٠/٧٠١٦
الدرجة
Sahih
التصنيف
باب ٥٠: التوبة
الحديث السابق عرض جميع الأحاديث الحديث التالي

أحاديث ذات صلة